البيان الليبرالي الذي تبنته منظمة الليبرالية العالمية في اجتماعها المنعقد من 18 إلى 21 أيار 2017 في أندورا
بعد مؤتمر استهلالي في أوكسفورد عام 2015
واجتماعات لجنة الصياغة في برلين، وتايبي، ونيويورك، ومراكش عام 2016
ودورتي إضافات وتعديلات من قبل الأحزاب الليبرالية الوطنية في الربع الأول من 2017
ومباحثات المؤتمر النهائي في أوكسفورد يوم 10 نيسان 2017
ومراجعة وتعديل لاحقين بواسطة جون لورد ألديردايس،
ومراجعة نهائية بواسطة رئيس الليبرالية الدولية جولي مينوفز
المحتويات:
مقدمة
أ. الرؤية: التقدم البشري في عالم حر
ب. التحدي: التهديدات الناشئة الجديدة أمام الحرية
ج. الاستجابة: الفرص للجميع، التقدم للجميع
عام 1947، نشرت مجموعة من الليبراليين من حول العالم بيان أوكسفورد، أول إعلان عالمي للمبادئ الليبرالية، استجابة لأهوال الحرب العالمية الثانية ودمارها المادي غير المسبوق وملايين القتلى والتجرد المرعب من الانسانية في الحرب عمومًا وفي الهولوكوست على وجه الخصوص. صمم الليبراليون على إعادة التأكيد على حقوق الإنسان والقيم الإنسانية بعد الانتصار على النازية والفاشية وفي مواجهة ضد الاستبداد الشيوعي، وأصبح بيان أوكسفورد أساسًا لوثيقة جوهرية أخرى؛ هي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي اتفقت عليه الأمم المتحدة في كانون أول 1948.
في العالم الحر، مهدت هذه المبادئ الليبرالية الطريق أمام تحقيق السلام وسيادة القانون وحقوق الإنسان والرخاء للعديد من الشعوب في العقود التي تلت. فقد تم تعريف الحقوق الفردية وتطويرها؛ وساهمت الإدارة العادلة والمستقلة للقانون والعدالة في ضمان الحريات الشخصية بإيقاع متصاعد؛ واتسعت مساحة حريات العبادة والاعتقاد؛ وتمت حماية حرية التعبير والصحافة؛ وتمتع الناس بحرية الانتماء أو عدمه كما يرغبون؛ وتوفرت فرص متنوعة وكاملة للتمتع بالتعليم حسب القدرة الشخصية وبغض النظر عن ظروف النشأة الأسرية أو الطبقة الاجتماعية أو وسائل الدفع المتاحة؛ مما جعل من حرية اختيار الوظيفة إمكانية أكثر احتمالًا لعدد أضخم من الأفراد. وأدى ارتفاع مستويات الرخاء إلى زيادة في فرص ممارسة الحق في الملكية والحق في إطلاق المشاريع الخاصة. كما توسعت حرية الاختيار للمستهلكين وتعززت فرصتهم في جني ثمار انتاجية الأرض المزروعة والاستمتاع بالمنجزات الصناعية للحضارة البشرية كلها؛ أصبح هناك المزيد من التأمين ضد مخاطر الأمراض والبطالة والإعاقة والشيخوخة، وتم توفير مساواة أكبر في الحقوق بين النساء والرجال. ولم يقتصر تأثير هذه المبادئ على شعوب الدول الحرة فحسب، بل امتد أثرها ونجاحها لتساعد في التغلب على الدكتاتورية الشيوعية والانقسام في أوروبا، إضافة للتغلب على الكثير من الأنظمة السلطوية والشعبوية في أمريكا اللاتينية، وآسيا، وإفريقيا.
لقد أعاد الليبراليون الدوليون التوكيد على هذه المبادئ في سبعة وثائق أخرى على مدار السبعين سنة التي تبعت نشر إعلان أوكسفورد، تمثلت في إعلانات وبيانات ومناشدات تشكل الآن الجذع المركزي للفكر الليبرالي والتي مازلنا نستمد منها الإلهام والقوة.
اليوم، متحدين في أسرة الليبراليين الدولية، نصادق نحن الليبراليون بشكل كامل على المبادئ المبينة في بيان أوكسفورد وما تلاه من بيانات، مع إدراكنا بأن الليبرالية تتعرض لهجوم متجدد كفلسفة ذات تطبيق عالمي في التنظير وفي الممارسة السياسية. وورد الهجوم من اليساريين الذين يمنحون الدولة أولوية مطلقة بالإضافة إلى المحافظين والوطنيين على اليمين، وكذلك من قبل الشعبويين على طرفي الطيف السياسي الراغبين بدولة استبدادية «غير ليبرالية» بشكل صريح تقوم بتنفيذ وجهات نظرهم. بالإضافة إلى الراغبين باستغلال النظام لخلق مجتمعات غير ليبرالية فهنالك الفوضويون والمتطرفون الإسلاميون العنيفون الذي لا يرغبون بالسيطرة على النظام فحسب، وإنما حرق النظام من خلال الثورات المتطرفة والهدامة. ولا يتم هذا الهجوم على الليبرالية والسلام والاستقرار العالميين بالطرق التقليدية فقط، ولكن عبر منصات الفضاء الالكتروني الحديثة. إننا اليوم نعيش عصرًا بالغ الخطورة حيث لا تسلم أية جهة في العالم من مثل هذه التهديدات.
وعلى الرغم من ذلك ما يزال أمامنا فرصٌ جديدة؛ فقد شهد العالم وصول الثورة التكنولوجية كما شهد زيادة هائلة في فرص التجارة والسفر والتواصل اليسير عبر أرجاء العالم. مما يخلق مساحة شاسعة من الفرص المتاحة للبشرية، ويساهم في رفع ملايين الأشخاص فوق خط الفقر ويساعد العديد من الشعوب في تحرير نفسها من القيادات السلطوية.
على الرغم من اعترافنا بأن هذه الفرص تؤدي إلى تحديات جديدة – من بينها التغير المناخي والنزح الجماعي والمخاوف بشأن مستوى التفاوت بين الدخل والثروة– فإن الليبراليين يرحبون بجميع الفرص ويتقبلون جميع التحديات. يمكن لليبرالية أن تتطور وتنمو خلال فترات الاستقرار؛ أما أثناء فترات عدم الاستقرار، فهناك فرصة للتقدم بخطوات جذرية في تفكيرنا؛ فمهمتنا هي إثبات أن الليبرالية بمقدورها تقديم أفضل الأفكار والسياسيات الجديدة للتعامل مع هذه التحديات واستغلال الفرص الجديدة بأمثل طريقة دون التخلي عن قيمنا ومعتقداتنا. سنقاتل ضد الاتجاه غير الليبرالي ونسعى لنشر القيم الليبرالية أكثر من أي وقت مضى ممتلئين بروح الليبرالية العالمية الجديدة. الآن هو وقت تدبر خبراتنا الماضية وتجديد واستعادة طموحاتنا الليبرالية؛ والآن هو وقت الاستجابة الليبرالية في مواجهة التهديدات الحالية التي تحدق بالحرية. وهذا هو ما نسعى إليه عبر بيان الليبرالية 2017.
ولهذا فإننا الآن؛ ليبراليو العالم مجتمعين بمؤتمر الليبرالية العالمية في هذا اليوم من أيار لعام 2017 في أندورا، قد اعتمدنا البيان التالي:
إن حرية كل إنسان مبدأ أساسي لتحقيق التقدم البشري وخلق عالم أفضل. وتؤمن الليبرالية بصفتها حركة عالمية بقوة في المنطق الإنساني كأساس للتقدم نحو عالم أفضل، فالليبرالية مكرسة تجاه الحق الأصيل لجميع الأفراد في التمتع بحياة يمكن لكل منهم أن يختار بإرادته كيف يحياها.
ولأننا جميعًا أفراد مختلفون، فإن الليبرالية تتقبل وتشجع على هذا التنوع بين جميع أفراد الأسرة الإنسانية. نحن نرى الناس كيانات تتمتع بإرادتها الحرة، هم الذين يرسمون قصص حيواتهم الخاصة بأنفسهم. أما المجتمع فهو المساحة التي يمكن لهم التجمع فيه مع بعضهم البعض لتبادل الأفكار والآراء ولتشارك التعلم ولفهم أنفسهم والآخرين بكل ما بينهم من تنوع واختلافات. كما أن المجتمع هو المكان الذي يطور فيه الناس أنفسهم؛ أولا مع الأهل والمربيين ومن ثم في أي مجموعة أسرية يجدون أنفسهم فيها وصولًا إلى دوائر المجتمع الأوسع؛ فنحن نطور ذواتنا عبر العلاقات الاجتماعية. إن مجموعة شاملة من الحقوق والحريات والمسؤوليات تمكننا من تحقيق تعددية المعتقدات والأفكار؛ بالإضافة للتنوع في الخلفيات الذي يغذي الاختلاف دون تفرقة على أساس النوع الاجتماعي أو العرق أو العمر أو التوجه الجنسي أو المعتقدات الدينية أو الإعاقة، أو أي ظرف شخصي أو اجتماعي آخر. فالمجتمع الليبرالي يقوم على العلاقات الإنسانية كما هو قائم على أساس من حقوق الإنسان.
نحن نسعى لحماية الدساتير الليبرالية التي تعمل تحت سيادة القانون وتدعم توفير فرص متساوية للجميع. فلا يمكن لأي مجتمع أن يتمتع بالحرية بدون حرية التعبير والتجمع وحرية تكوين الجمعيات. كما أننا نريد للمؤسسات أن تكون ديمقراطية وخاضعة للمساءلة ومؤهلة وقادرة على منح الحقوق والحريات المتساوية للجميع. وحال تحقيق هذه الظروف يمكن للإبداع الإنساني أن يزدهر وأن يدفع التقدم البشري نحو مجتمع عالمي منفتح ومزدهر وسلمي. وينبغي لهذا المجتمع العالمي أن يكون مستدامًا على الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، في الوقت الحاضر وعلى المدى الطويل؛ وهو ما يتطلب إدارة متكاملة ومستدامة للموارد الطبيعية والنظم البيئية.
لقد شهدنا نمو وميلاد العصر الليبرالي مع بداية القرن الواحد والعشرين؛ ومنذ ذلك الحين، يتعرض الضمير الليبرالي العالمي للهجوم من جهات عدة؛ حيث تهدد موجة من السلطوية والشعبوية والأصولية بتقويض وتفكيك انجازاتنا الليبرالية. وغالبًا ما تتغذى هذه الحركات المناهضة لليبرالية على التشكيك في قدرة العقد الاجتماعي الليبرالي على تحقيق وعوده بالفرص العادلة لأكثر الفئات هشاشة نتيجة لزيادة التباين في السلطة والثروة بين الفئات المختلفة. إضافة للتشكيك في قدرة وفعالية مؤسسات العالم الليبرالي على مواجهة تحديات التغير المناخي وتضخم عدد السكان وزيادة الهجرة. يتسبب انخفاض التجانس في الكثير من المجتمعات في قلة أمان الأفراد، مما يعزز من ارتباطهم بما يعتقدون أنها هويتهم الأساسية، ويغذي هذا بدوره الشك والكراهية تجاه الأشخاص الذين يظهرون كأنهم مختلفين عنهم. وبنفس الوقت، يعتقد الكثيرون بأن الليبرالية مجرد عذر غربي للأنانية الاقتصادية وعدم المسؤولية. تشكل هذه التوجهات تحدٍ أمام الليبرالية، وتروج للتقاليد والمؤسسات المعادية لليبرالية، مما يهدد بتقسيم العالم إلى شظايا متحاربة وتعطيل مسيرة التقدم البشري.
إن أفضل استجابة قد تصدر عن الليبرالية في مواجهة هذه التحديات تتمثل في دعم الفرص المتساوية للجميع، وفي تقوية المؤسسات الليبرالية، وسيادة القانون حول العالم، ودعم التعليم العام والتعليم المدني، والرعاية الصحية، والتجارة الحرة والعادلة، والفرص المستدامة لجميع الأفراد، وتغذية مفاهيم المسؤولية والمسائلة عبر جميع الحدود. نؤمن نحن الليبراليون بالتقدم البشري المبني على المعرفة الجديدة المكتسبة والمطبقة محليًا قدر ما يمكن من خلال التشاور والتعاون والتعلم في ساحات الديمقراطية والتعليم والأبحاث واقتصاديات السوق والمجتمع المدني.
لطالما استمدت الليبرالية قوتها من مرونتها الداخلية وقدرتها على التكيف مع البيئات المتغيرة، وبالتالي قدرتها على التعامل مع التحديات الجديدة كلما ظهرت. وتبني الليبرالية على الابتكار والإبداع البشري أكثر من مجرد الانشغال بالحكمة الموروثة من الماضي. وبهذه الروح، فإن التحديات الرئيسية أمام الليبراليين هي ضمان ديناميكية التقدم البشري ما أمكن، حرصًا على أن يكون التقدم متساويًا وشاملًا للجميع؛ وذلك لمساعدة الأفراد على تقبل تعقيد الحياة في عالم اليوم ولاستمداد القوة من الإدراك بأن هوياتهم معقدة ومتعددة الطبقات، وبأن تقدم الأسرة البشرية مستدام بحيث تستفيد الأجيال الحالية والمستقبلية منه. يدرك الليبراليون أن حقوق الإنسان فردية وليست جمعية. وبسبب التنوع الطبيعي للطموح البشري والشخصيات والمواهب إضافة للمعتقدات الدينية، فإن البحث عن السعادة ما زال وسيبقى سعيًا فرديًا في جوهره؛ فهو سعي متعلق بالحرية التي يمكنك التمتع بها لتعيش حياة تشعر بقيمتها، دون تقييد حرية الآخرين. ولا يعني هذا أن الليبرالية تعبر عن الفردانية وحسب، فالمجتمع مهم أيضا. تقوم الليبرالية على الحرية – حرية الفرد – إلا أنها تقوم أيضًا على التسامح – أي جود الروح تجاه «الآخر» ليس فقط أصدقائنا المقربين وأفراد أسرتنا، وإنما لكامل الأسرة البشرية. نؤمن نحن الليبراليون بالمؤسسات والسياسات التي تفتح أكبر قدر ممكن من الفرص أمام الجميع في الحاضر وفي المستقبل. علينا أن نتغلب على العوائق الاجتماعية العتيقة المصمتة في مجتمعاتنا، فيجب على جميع حكومات العالم أن تخلق مؤسسات وأن تسعى لوجود سياسات شاملة وأن تسعى لتمكين مواطنيها في مضمار الحرية.
وعلى ضوء هذه المبادئ والتحديات الحالية والمستقبلية، ندعو نحن الليبراليون الجميع للعمل معنا في سعينا نحو ما يلي:
بمقدور جميع أفراد مجتمعاتنا أن يرسموا قصة حياتهم الشخصية ويجب أن يتمتعوا بنفس الحقوق الإنسانية. إن هذه القيمة واحدة من القيم الجوهرية للديمقراطيات الليبرالية، التي تؤكد على الحرية الشخصية وسيادة القانون، وترفض التمييز غير العادل. ويدافع الليبراليون عن هذه الحقوق داخليًا وخارجيًا.
نسعى نحن اللبراليون لفتح المجال أمام الجميع ليكونوا على سجيتهم، وأن يحبوا من يشاؤون وأن يعيشوا كيفما يختارون بمعرفة واضحة بأن هذه الحريات ستتمتع بالحماية ما دامت لن تقوض من حقوق أي شخص آخر. يؤمن الليبراليون في جوهرهم بأن حقوق الأقليات بجميع أنواعها ينبغي أن تتمتع بمكانة آمنة ومحفوظة في منظومة قيمنا؛ وندعم بشكل خاص الفئات الأكثر ضعفا أمام التمييز سواء كانوا يتعرضون للتمييز بصفتهم أفراد أقلية عرقية أو جماعات السكان الأصليين أو لكونهم من الأشخاص ذوي الإعاقات الظاهرة أو غير الظاهرة، كالأطفال وكبار السن أو جماعات المثليين، ثنائيي الجنس، والعابرين جنسيا. ينبغي حماية حرية جميع الأفراد الذين يؤمنون بدين أو معتقد آخر أو الملحدين في ممارسة معتقداتهم ما دامت ضمن الحقوق القانونية والدستورية القائمة.
ومع أن القرن العشرين قد شهد تقدمًا في مجال حقوق المرأة، فما زالت عدم المساواة مستمرة تجاه النساء اللاتي تمثلن أكثر من نصف سكان الكرة الأرضية؛ خصوصا فيما يتعلق بالتوزيع غير المتساوي للملكية والتمثيل السياسي بالإضافة لانتشار العنف ضد المرأة وعدم منح المرأة حقوقها الجنسية والإنجابية. كما تأصل بعض الدول لعدم المساواة هذه في قوانينها، حيث تحرم المرأة من حق التصويت وملكية الأراضي أوالاستفادة من التعليم والتمتع بالحرية الشخصية في بعض الدول. وبالتالي، سنستمر في القتال بقوة لتحقيق حقوق المرأة.
من مسؤولية الدول الديمقراطية أن تضمن التمتع بالحرية للجميع في ظروف آمنة؛ وأن تضمن خضوع المخالفين لحقوق الإنسان والمتعدين على الحرية للمساءلة والتعامل معهم بفعالية. ويتطلب هذا استثمارًا عامًا كافيًا في مجالي الأمن والسلامة. وعندما تخالف دولة ما حقوق الإنسان هذه، على الديمقراطيات الليبرالية الأخرى أن تستعد لمنح اللجوء للفارين من هذه المخالفات، كما تنص اتفاقية جنيفا الخاصة بأوضاع اللاجئين. من الواضح بأن اللجوء مسؤولية المجتمع الدولي ككل، الوقت ذاته، تدرك المجتمعات الليبرالية مسؤولياتها في تحديد ومكافحة الأسباب التي تدعو الأشخاص للفرار من دولهم، سواء أكانت هذه الأسباب اقتصادية، سياسية، أو نزاعات مسلحة.
لا يمكن تأمين الحماية المناسبة للأفراد وحرياتهم إلا من خلال الديمقراطية الليبرالية، إلا أن علينا أن نرفض أيضا الإساءة لحرياتنا من قبل المعارضين لهذه الحريات. من خلال الديمقراطيات القوية القادرة على الدفاع عن نفسها، سنحمي قيمنا الليبرالية ومؤسساتنا الديمقراطية بفعالية ضد الراغبين في تقويضها وتدميرها. تسمح الديمقراطية، كشكل من أشكال الحكومة، بمساءلة الأفراد في السلطة على أفعالهم. وبدورها تشكل المساءلة مفتاحًا لحكومة أفضل، وكذلك الشفافية وما يكفي من اللامركزية في صنع القرار، والتي تضمن جميعها المزيد من المشاركة المباشرة والسيطرة على الحكومة من قبل المواطنين. يعاني الكثيرون حول العالم من مستويات غير مرضية من الحكم الرشيد في دولهم وغالبا ما يرتبط الحكم السيء بالفساد، والذي يشكل أهم عوامل الدمار في حياة المجتمع. علينا أن نعزز جهودنا في مكافحة الفساد والاحتيال والجريمة المنظمة على جميع مستويات الحكومة من المحلي إلى العالمي، ولابد من تحسين طبيعة الحكم بشكل عام من خلال تنفيذ مبادئنا الليبرالية في المساءلة والشفافية وفصل السلطات ولامركزية صنع القرار واحترام سيادة القانون والمجتمع المدني النشط.
يشكل الأفراد الأحرار أساس أي ديمقراطية ليبرالية؛ والحوار المفتوح بين المواطنين، بحيث تكون جميع الحجج مسموعة ويتم دراستها، يؤدي لحلول أفضل وأكثر استدامة للجميع. في المجتمع المدني الحر والديناميكي، يعمل الجميع مع بعضهم البعض في المحافل المختلفة ويتبادلون الأفكار ويسعون نحو المصالح المشتركة والنشاطات ويصيغون الآراء ويتفقون ويختلفون حول القيم والروحانيات والسياسة في استقلال عن الدولة والسوق. وينبغي رفض جهود الحكومة لاستغلال المجتمع المدني لأغراضها الخاصة أو قمع مجموعات المجتمع المدني الشرعية غير المرغوب بها في المجتمع الليبرالي المنفتح. بدلا من ذلك، على الحكومة تحفيز الحوار النشط بين لاعبي المجتمع المدني والسلطات المعنية بهدف التوسع في إدماج الجميع داخل المجتمع. كما تتمتع الأديان والمعتقدات الأخرى بمكان طبيعي في المجتمع المدني، إلا أن الليبراليين يناصرون لفصل الأديان المنظمة عن مؤسسات الدولة بهدف تجنب مركزية السلطة والمحافظة على تنوع مجتمعاتنا.
تشكل حرية التعبير عنصرا محوريا في المجتمع الليبرالي، فنحن ندعم وصول جميع المواطنين إلى المعلومات دون تقييد وتداولها بينهم، بالإضافة لحرية الحوار دون قيود تفرضها الدولة وحمايتها بإطار من القواعد التي تدعم الحرية. ومع الازدياد المضطرد في جمع المعلومات وتخزينها من خلال التكنولوجيا الحديثة، نصر على وجود إطار مبني على القواعد يضمن نزاهة البيانات الشخصية للأفراد والخصوصية الالكترونية والحرية من المراقبة؛ بالإضافة للحق في التعويض عند تعرض الأفراد للأذى بسبب اختراق الخصوصية أو تقديم معلومات مغلوطة عن قصد، بغض النظر عن وسيلة التواصل. وبهدف منح الإعلام والمواطنين القدرة على مراقبة السلطات العامة، فمن الأساسي ضمان شفافية المعلومات الخاصة بشؤون المؤسسات العامة والديمقراطية على جميع المستويات. يؤمن الليبراليون بأن هذه الحريات والحمايات للأفراد تعد متطلبات أساسية للمجتمع الحر المبني على حرية الرأي وحرية التجمع.
إن توفير التعليم عالي الجودة للجميع بغض النظر عن الخلفية الاجتماعية أو الاقتصادية هو أفضل ضمان للمساواة في الفرص؛ حيث يعتبر التعليم ركنًا ضروريًا في تحقيق التقدم البشري وإيجاد أفضل الحلول لتحدياتنا العالمية. ومن أهم أهداف الليبرالية العمل على الوصول العادل للتعليم واكتساب المهارات والتفكير النقدي من الطفولة المبكرة وفي مختلف مراحل حياة الإسنان، مما يضمن للناس العيش بكرامة ورخاء. كما ينبغي تمكين المواطنين ليحكموا أنفسهم وأن يعيشوا مع شركائهم في الوطن في احترام متبادل؛ مما يتطلب تعليمًا ينادي بالتسامح وحقوق الإنسان وتقدير الاختلافات في وجهات النظر.
كما أن الوصول العادل للتعليم مطلوب لتمكين الأطفال واليافعين والبالغين وكبار السن من استغلال مواهبهم على أفضل وجه وبغض النظر عن خلفيتهم الأسرية؛ حيث أن الهدف هو تحقيق الحد الأعلى من التمكين والإدماج والمهارات اللازمة لمواجهة تحديات الرقمية والعولمة والتقدم التكنولوجي بالإضافة لبناء العلاقات الشخصية والاجتماعية. ولا يمكن تحقيق هذا إلا من خلال الدعم الإضافي للمهمشين اقتصاديًا واجتماعيًا لتمكينهم من العمل باتجاه المشاركة النشطة في المجتمع كي يساهموا في مجتمعاتهم التي يعيشون بها على أفضل وجه.
إن الحريات الشخصية والتنوع في مجتمعاتنا يتطلب حرية وتنوعًا في التعليم بالمقابل. نسعى نحن الليبراليون إلى دعم حرية التعليم لتمكين الأفراد من خلال ضمان قدرتهم على اختيار أفضل تعليم وتعلم ممكن لأنفسهم ولأطفالهم، فنحن نريد لجميع البشر أن يتمكنوا من الوصول إلى التعليم الجيد طوال حياتهم بغض النظر عن العرق أو الجنسية أو النوع الاجتماعي أو العمر أو التوجه الجنسي أو المعتقدات الدينية أو الإعاقة أو أي ظرف شخصي أو اجتماعي آخر.
بالرغم من التحسن الملموس في متوسط العمر المتوقع ومعايير الصحة، ما زال الناس في كثير من أنحاء العالم يعانون من سوء التغذية وضعف القدرة على الوصول إلى الرعاية الطبية والصحية. وهي كارثة علينا أن نكافحها على الصعيد الإنساني، لأن الصحة الجيدة شرط أساسي لخلق تعليم أفضل لجميع الأعمار؛ ويظل عائقًا ضخمًا أمام التنمية الاقتصادية. كما يواجه العالم عددًا متزايدًا من الأشخاص الذين يعانون من الأمراض العقلية إضافة لما سبق، والتي تؤثر سلبًا على الأفراد وأسرهم، فللأمراض العقلية تبعات مادية ضخمة مثل الكثير من الأمراض الجسدية والإعاقات نتيجة النفقات الطبية وخسارة القدرة على ممارسة العمل.
وعلى جميع الحكومات الوطنية والمجتمع الدولي أن تسعى لتحسين المعايير الصحية وتوفير الوصول إلى الرعاية الصحية للجميع وأن تجعل هذه المساعي هدفًا ذا أولوية. كما تعتبر «الصحة الالكترونية» والتطبيب عن بعد من بين الأدوات المهمة لتحقيق هذا الهدف. وعلى الرغم من ذلك، فعلينا في زمن الانتشار التكنولوجي ألا ننسى أن الكثيرين ما يزالون غير قادرين على الوصول حتى إلى المياه الصالحة للشرب أو الصرف الصحي، وهي بعض المتطلبات الأساسية للحياة الكريمة التي يجب علينا أن نوفرها للجميع، وألا ننسى ضرورة الحرص في استغلال وحماية الموارد الطبيعية والأنظمة البيئية بطريقة مستدامة الآن وفي مستقبل؛ فالتدمير المتعمد للمصادر الطبيعية فعلًا إرهابيًا كما يجب اعتبار الحرب جريمة ضد الإنسانية.
لا يعود النمو الاقتصادي العالمي بالفائدة على الجميع إلا إذا كان مستدامًا وشاملًا على المدى البعيد ويساهم في رفع مستوى المعيشة لجميع مواطني العالم؛ إلا أنه ينبغي ألا يتم ذلك على حساب الأجيال المستقبلية وألا يفيد أشخاص أشخاصًا بعينهم في بعض أنحاء العالم على حساب الآخرين.
يؤمن الليبراليون بأن النمو والتقدم الاقتصادي ينبغي أن يكون مستدامًا بيئيًا وماليًا واجتماعيًا، فهذه هي الخصائص الثلاثة الرئيسية لجودة النمو. وينبغي ألا يكون التقدم الاقتصادي مبنيًا على التراجع المحلي أو العالمي أو الاقتراض والهبات أو هيمنة النخب أو التهرب الضريبي أو هيمنة مجموعة على مجموعة أخرى.
يشكل التغير المناخي أكبر تهديدا بيئيا عرفته البشريةـ؛ فتابعاته تعوق حرية ورخاء أجيال عديدة لقادمة. وبالتالي، يؤمن الليبراليون بوجوب احترام محدودية الموارد الطبيعية التي يوفرها الكوكب والحرص في صناعة ثرواتنا؛ كما يجب الالتزام بتجنب الضرر البيئي الذي لا يمكن تداركه بالإضافة للتغير المناخي الكارثي نتيجة انبعاثات الدفيئة المرتفعة كشرط مسبق للتقدم الاقتصادي المستدام. ويتطلب هذا إطارًا دوليًا ملائمًا وقائمًا على القواعد لحماية «الأصول العالمية المشتركة» واستغلالها بطريقة مسؤولة. وعلينا أن نعلم بأن هذا المنهج يمثل فرصًا عظيمةً وتكلفة عالية أيضًا، والتي يصعب على الدول الفقيرة تحملها مقارنة بالدول الغنية. أي أن الدعم العالمي ضروري من المنطلق الاقتصادي والأخلاقي لمساعدة الدول الفقيرة في تعديل وضعها لتسير على درب النمو المستدام هي أيضًا.
وبالمثل يدعم الليبراليون الأطر المبنية على القواعد للمسؤولية المالية، بحيث لا تعتمد الحكومات على الأجيال المستقبلية لتحمل تكلفة النمو الحالي وألا تتدهور الديمقراطية بسبب المغالاة في الإنفاق العام المعتمد على الديون. ويدعم الليبراليون الأطر القانونية المحلية والوطنية والإقليمية والعالمية التي تمنع استغلال الأفراد والمجموعات من قبل الآخرين بالإضافة إلى لتجنب الاحتكار، سواء كان من قبل الدولة أو القطاع الخاص.
إن النمو المضطرد في المعرفة الإنسانية يعتبر أساسًا للازدهار العالمي والتنمية المستدامة. ينظر الليبراليون إلى الإبداع البشري بصفته غير محدود الاحتمالات؛ وعلى الحكومة إيجاد الأرض الخصبة لهذا الإبداع من خلال ضمان توفير المدارس الجيدة ودعم الأبحاث في الجامعات دون قيود حكومية، وتأمين فرص العمل لتحويل الاختراعات إلى ابتكارات توسع من المعارف البشرية وتخلق سوقًا للمنتجات والخدمات الجديدة الممكنة. وينبغي دعم التغيير الهيكلي الذي يؤدي للابتكار وإدارته في جميع أجزاء المجتمع بهدف تقليل الفروقات وخلق فرص جديدة، مما يعني توفير التعليم لجميع الأعمار وفي جميع مراحل الحياة.
ستؤدي الاكتشافات العلمية السريعة والتحول الرقمي والتكنولوجيا الحيوية والذكاء الصناعي لخلق فرص وتحديات هائلة أمام البشرية؛ ينبغي عدم استعمال هذا التقدم التكنولوجي أبدًا في أغراض للحرب أو التسليح؛ وعلى العكس يجب أن تكون معالجة الأمراض وتحقيق الأمن الغذائي وتطوير وتعزيز توسع الحريات هي الأهداف الرئيسية لهذا التقدم التكنولوجي. كما يجب على الحكومات والمؤسسات الدولية والمجتمع المدني منع الانتهاكات الواضحة من خلال الإشراف والشفافية التي لا تقوض عمليات الاكتشاف العلمي والأبحاث والتنمية الفردية بدون مبرر.
أثبت التاريخ أن تدفق البضائع والخدمات، بالإضافة إلى تنقل رأس المال والأفراد عبر الحدود الوطنية يدعم انتشار الرخاء. ومع انخراط المزيد من الدول في الاقتصاد العالمي تصبح التجارة الحرة والعادلة والاستثمارات العابرة للحدود أدوات رئيسية للقضاء على الفقر وتعزيز السلام. إلا أن معاودة ظهور التوجه نحو الحماية في العديد من الدول والمناطق يؤدي إلى عدم استفادة بعض الدول من مزايا الاقتصاد العالمي الحر. وبالتالي، علينا أن نناضل من أجل المحافظة على نظام التجارة العالمية القوية والعاملة بشكل جيد والتوسع به لضمان المساواة للجميع؛ فقد كانت اتفاقيات التجارة الحرة بين الدول، سواء على أساس ثنائي أو متعدد الأطراف، أدوات ناجحة في السابق لتعزيز الاندماج في التجارة الإقليمية وشراكات الاستثمار. وينبغي تشجيعها ما دامت تحترم قواعد منظمات التجارة العالمية وبقيت مفتوحة أمام المزيد من الأعضاء الإضافيين.
وتبقى مقاومة الحماية الاقتصادية التزامًا ليبراليًا أساسيًا، وكذلك هو التزامنا بضمان استفادة أكبر عدد ممكن من الأشخاص من الاقتصاد العالمي الحر. وتبدو هذه هي الطريقة الوحيدة التي يمكن من خلالها تحقيق استدامة المجتمع الليبرالي المفتوح على المدى البعيد. ومع أننا على علم بأن نظام السوق بحد ذاته لا يضمن التوزيع العادل للثروات، إلا أننا سنقاتل لتوفير الوصول العادل إلى الأسواق والملكية ورأس المال والبنية التحتية والصحة والتعليم للجميع. فمن خلال تعزيز الفرص المتساوية للجميع، نعمل على تمكين الأفراد من المشاركة والمساهمة في النمو العالمي والاستفادة منه، وبالتالي تقليل عدم المساواة الاقتصادية والاجتماعية وضمان نجاح الأسواق للجميع.
إن المجتمعات الليبرالية مفتوحة أمام هجرة الأفراد؛ فالقدرة على التنقل داخل وبين الدول تزيد من الحريات وتزيد من قدرة الأفراد على السعي نحو سعادتهم. إن هجرة الناس أمر طبيعي؛ ومن المثبت تاريخًا أنها مفيدة وتزيد الثراء الثقافي للدول المستقبلة. ويمكن للمهاجرين المساعدة في سد النقص في المهارات وزيادة المعارف الثقافية والتنوع ضمن المجتمع، ولكن بالطبع من شأن هذا أن يتسبب في إفقار المجتمعات التي تركوها خلفهم.
من المرجح أن تزداد الهجرات الكبيرة بسبب عوامل اقتصادية واجتماعية وسياسية وبيئية، إلا أنه ينبغي دراسة وإدراة هذه التحركات البشرية بشكل أفضل. نعرف جيدًا أن بعض الظروف قد تتطلب فرض قيود على حجم وسرعة الحركات السكانية بناء على قدرة وحجم الدولة المتلقية للمهاجرين. كما ينبغي أن تضمن الأطر القانونية المناسبة وهياكل الدعم بأن المهاجرين واللاجئين مدمجين بشكل لائق بحيث يتمكنون من الازدهار وتحقيق الحد الأقصى من قدراتهم؛ إضافة للمساهمة القيمة في المجتمعات التي يعيشون بها الآن.
إن المجتمعَ العالمي اليوم مجتمعٌ مترابط ومتداخل ومدمج من خلال التعاون التكنولوجي والاجتماعي والاقتصادي. وعلى الرغم من ذلك فإن النزاعات على الأراضي والموارد والحكومة والأصول العرقية والدين والمعتقدات الأيديولوجية ما زالت تعاود الظهور. يعتبر الليبراليون أن المحافظة على العلاقات السلمية والمبنية على الاحترام بين المجتمعات وتطويرها بدلا من استعمال القوة غير الشرعية أو العدائية، هو أساس تسوية النزاع بشكل حضاري. ينبغي على العلاقات الدولية اتباع القانون كما هو مبين في الاتفاقيات الدولية، وينبغي تقوية المؤسسات، والمحاكم، وآليات التحكيم الدولية. ومع أن القوة المسلحة -إلى جانب الدبلوماسية الدولية- قد تكون ضرورية للمحافظة على السلطة ولحماية قرارات وحكم هذه المؤسسات الدولية، فإنه ينبغي على جميع الأطراف أن تخضع لقراراتها وأن تلتزم بسيادة القانون بدلا من اللجوء لقانون القوة.
يحلم الليبراليون برؤية عالم سلمي. فقبل سبعين سنة، اجتمعنا بعد نزاعين عالميين مأساويين لنبني الدولية الديمقراطية الليبرالية، عبر التعاون السياسي في منظمة الليبرالية الدولية؛ وكذلك عبر تطوير هيئات دولية للتعاون مثل الأمم المتحدة ومؤسسات بريتون وودز وكيانات القانون الدولي التي تسترشد بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان والاتحاد الأوروبي؛ وفي العقود التالية تم ذلك عبر جهات التعاون الإقليمي في آسيا، وإفريقيا، والقارتين الأمريكيتين. ولهذا السبب أيضا نسعى لنكون العامل الحفاز في عملية نزع التسليح العالمي وسباقون في الحد من الانتشار العالمي للأسلحة. نعلم بأن عمليات السلام والتنمية المجتمعية ينبغي أن تشمل جميع فئات المجتمع؛ ولذا، نؤمن بقوة بأنه لا يوجد وسيلة بديلة لتحقيق السلام في العالم، لأن الناس عندما يعتقدون بأنهم يتعرضون للإهانة أو يعاملون بطريقة غير عادلة أو بأن هويتهم كأفراد أو كمجتمع تخضع لتهديد خطير، فمن المتوقع أن يلجؤوا للعنف بسهولة. وعندما يتعرض الناس لتهديد الإبادة الجماعية أو تستمر الدكتاتورية بقمع الحقوق الأساسية للشعب الذي تحكمه فإنه من واجب الديمقراطيات الليبرالية أن تطالب بتفعيل مبدأ «مسؤولية الحماية» كما صادقت عليها الدول الأعضاء في الأمم المتحدة عام 2005.
بهذا الإعلان الجديد، نؤكد نحن الليبراليون على مبادئ إعلان أوكسفورد عام 1947 وننقحها لاستيعاب العصر الذي نعيشه الآن، ببيان نؤمن به نحن الليبراليون، وما نلتزم به، لتحقيق عالم أفضل وأكثر حرية ورخاءً، وكرمًا وكوطن أكثر استدامة للجماعة البشرية.